محمد بن جرير الطبري

131

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ائذن للناس في قتالهم ، فقال لهم النعمان : رويدا رويدا ! قالوا له ذلك مرارا ، فأجابهم بمثل ذلك مرارا : رويدا رويدا ، فقال المغيرة : لو أن هذا الأمر إلى علمت ما اصنع ! فقال : رويدا ترى امرك ، وقد كنت تلى الأمر فتحسن ، فلا يخذلنا الله ولا إياك ، ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في الحث . وجعل النعمان ينتظر بالقتال اكمال ساعات كانت أحب إلى رسول الله ص في القتال ان يلقى فيها العدو ، وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الرياح فلما كان قريبا من تلك الساعة تحشحش النعمان ، وسار في الناس على برذون احوى قريب من الأرض ، فجعل يقف على كل رايه ، ويحمد الله ويثنى عليه ، ويقول : قد علمتم ما اعزكم الله به من هذا الدين ، وما وعدكم من الظهور ، وقد انجز لكم هوادي ما وعدكم وصدوره ، وانما بقيت اعجازه وأكارعه ، والله منجز وعده ، ومتبع آخر ذلك أوله ، واذكروا ما مضى إذ كنتم اذله ، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم اعزه ، فأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه ، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة ، والذي لهم في ظفركم وعزكم ، والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم ، وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم ، وما اخطرتم وما اخطروا لكم ، فاما ما اخطروا لكم فهذه الرثة وما ترون من هذا السواد ، واما ما اخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم ، ولا سواء ما اخطرتم وما اخطروا ، فلا يكونن على دنياهم احمى منكم على دينكم ، واتقى الله عبد صدق الله ، وابلى نفسه فأحسن البلاء ، فإنكم بين خيرين منتظرين ، احدى الحسنيين ، من بين شهيد حي مرزوق ، أو فتح قريب وظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه ، وذلك من الملامة ، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه ، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه ، فإذا قضيت امرى فاستعدوا فانى مكبر ثلاثا ، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ ، فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه ،